ولو كان خالق الوحدة يسمى خالقاً؛ لخلقه الوحدة لسمي ثلاثاً، وأربعاً؛ لأنه خلق الأعداد أيضاً.
فأمثلة هذه المقالات، تكذيبات، عُبِّر عنها بالتأويلات.
الفصل العاشر: شروط التواتر والإجماع والبرهان
قد فهمت من هذه التكفيرات أن النظر فِي التكفير يتعلق بأمور:
أحدها: أن النص الشرعي الذي عدل به عن ظاهره، هل يحتمل التأويل؟ أم لا؟ فإن احتمل، فهل (تأويله) قريب؟ أم بعيد؟
ومعرفة ما يقبل التأويل، وما لا يقبل التأويل، ليس بالهين، بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق فِي علم اللغة، العارف بأصول اللغة، ثم بعادة العرب فِي الاستعمال فِي استعاراتها، وتجوزاتها، ومنهاجها فِي ضرب الأمثال.
الثاني: فِي النص المتروك، أنه ثبت تواتراً؟ أو آحاداً؟ أو بالإجماع المجرد؟ فإن ثبت تواتراً، فهل على شرط التواتر؟ أم لا؟ إذ ربما يظن المستفيض، متواتراً. وحد التواتر ما لا يمكن الشك فيه، كالعلم بوجود الأنبياء، ووجود البلاد المشهورة، وغيرها. وأنه متواتر فِي الأعصار كلها، عصراً بعد عصر، إلى زمان النبوة. فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر فِي عصر من الأعصار؟ وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك، كما فِي القرآن. أما فِي غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جيداً، ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ، وأحوال القرون الماضية، وكتب الأحاديث، وأحوال الرجال وأغراضهم فِي نقل المقالات. إذ قد يوجد عدد التواتر فِي كل عصر، ولا يحصل به العلم.
إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة فِي التوافق، لاسيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب. ولذلك ترى الرواضف يدّعون النصَّ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فِي الإمامة لتواتره عندهم، وتواتَرَ عند خصومهم فِي أشياء كثيرةٍ خلافُ ما تواترَ عندهم لشدّةِ توافُق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها.