وأما الوجود العقلي: فهو أن يكون للشيء: روح، وحقيقة، ومعنى. فيتلقى العقل مجرد معناه، دون أن يثبت صورته فِي خيال، أو حس، أو خارج، كاليد مثلاً فإن لها: صورة محسوسة ومتخيلة. ولها معنى هو حقيقتها، وهي القدرة على البطش. والقدرة على البطش هي اليد العقلية.
وللقلم صورة، ولكن حقيقته ما تنقش به العلوم، وها ما يتلقاه العقل من غير أن يكون مقروناً بصورة (قصب) و (خشب) وغير ذلك من الصور الخيالية والحسية.
وأما الوجود الشبهي: فهو أن لا يكون نفس الشيء موجوداً، لا بصورته ولا بحقيقته. لا فِي الخارج، ولا فِي الحس، ولا فِي الخيال، ولا فِي العقل.
ولكن يكون الموجود شيئاً آخر يشبهه فِي خاصة من خواصه، وصفة من صفاته. وستفهم هذا إذا ذكرت له مثاله فِي التأويلات.
فهذه مراتب وجود الأشياء.
فصل: المرتاب الخمسة وأمثلتها فِي التأويل
اسمع الآن أمثلة هذه الدرجات فِي التأويلات:
أما الوجود الذاتي: فلا يحتاج إلى مثال، وهو الذي يجري على الظاهر، ولا يتؤول، وهو الوجود المطلق الحقيقي.
وذلك كإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن:
العرش، والكرسي، والسماوات السبع.
فإنه يجري على ظاهره، ولا يتؤول، إذ هذه أجسام موجودة فِي نفسها، أدركت بالحس والخيال أم لم تدرك.
وأما الوجود الحسي: فأمثلته فِي التأويلات كثيرة، وأكتفي منها بمثالين:
أحدهما: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت يوم القيامة فِي صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار) .فإن من قام عنده البرهان على أن الموت عرض، أو (عدم عَرَض) .وأن قلب العرض جسماً، مستحيل غير مقدور، ينزل الخبر على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك ويعتقدون أنه الموت، ويكون ذلك موجوداً فِي حسهم، لا فِي الخارج، ويكون سبباً لحصول اليقين باليأس من الموت، بعد ذلك، إذ المذبوح ميئوس منه.
ومن لم يقم عنده هذا البرهان، فعساه يعتقد أن نفس الموت ينقلب كبشاً فِي ذاته ويذبح.