وأما الوجود الحسي: فهو ما يتمثل فِي القوة الباصرة (مثلاً والمراد إحدى الحواس) من العين، مما لا وجود له خارج العين، فيكون موجوداً فِي الحس، ويختص به الحاس، ولا يشاركه غيره، وذلك (كالحلم) الذي يشاهده النائم، بل (الخيال) كما يشاهده المريض المتيقظ، إذ قد تتمثل له صورة، ولا وجود لها خارج حسه، حتى يشاهده كما شاهد سائر الموجودات الخارجة عن حسه.
بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء، فِي اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية لجواهر الملائكة، ينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها، فيتلقون من أمر الغيب فِي اليقظة ما يتلقاه غيرهم فِي النوم، وذلك لشدة صفاء باطنهم، كما قال تعالى: (فتمثل لها بشراً سوياً) .وكما أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام كثيراً، ولكن ما رآه فِي صورته إلا مرتين، وكان يراه فِي صور مختلفة يتمثل بها.
وكما يُرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي المنام، وقد قال: (من رآني فِي النوم، فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي) .ولا تكون رؤيته بمعنى انتقال شخصه من روضة المدينة إلى موضع النائم، بل هي على سبيل وجوده فِي حس النائم فقط.
وسبب ذلك وسره طويل، وقد شرحناه فِي بعض الكتب، فإن كنت لا تصدق، فصدق عينك، فإنك تأخذ قبساً من نار كأنه نقطة. ثم تحركه بسرعة، حركة مستقيمة، فتراه خطاً من نار. وتحركه حركة مستديرة، فتراه دائرة من نار. والدائرة والخط مشاهدان، وهما موجودان فِي حسك، لا فِي الخارج عن حسك، لأن الموجود فِي الخارج، هي نقطة فِي كل حال.
وإنما تصير خطاً فِي أوقات متعاقبة، فلا يكون الخط موجوداً فِي حالة واحدة، وهو ثابت فِي مشاهدتك فِي حالة واحدة.
وأما الوجود الخيالي: فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك، فإنك تقدر على أن تخترع فِي خيالك صورة (فيل) و (فرس) وإن كنت مغمضاً عينيك، حتى كأنك تشاهده، وهو موجود بكمال صورته فِي دماغك لا فِي الخارج.