والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار، تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم، وفي ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفا على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم بعد أن دعاهم إليه، وبذل قصارى جهده في تبصيرهم وإرشادهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الموانع التي حالت بينهم وبين الاهتداء إلى الحق في الماضي والمستقبل فقال تعالى:
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ.
والختم: الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه للاستيثاق، لكي لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخله ما هو خارج عنه.
قال القرطبي: «والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم مختم، شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه، وقد يكون محسوسا كما في ختم الكتاب والباب، وقد يكون معنويا كالختم على القلوب ... »
والقلوب: جمع قلب، وهو المضغة التي توجد بالجانب الأيسر من صدر الإنسان، ويستعمل في القوة العاقلة التي هي محل الفهم والعلم.
والسمع: مصدر سمع. ويطلق على الآلة التي يقع بها السمع.
ولما كان الختم يمنع من أن يدخل في المختوم عليه شيء ، استعير لإحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما.
الأبصار: جمع بصر، وهو في الأصل الإدراك بالعين، ويطلق على القوة التي يقع بها الإبصار، وعلى العين نفسها. وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار في الآية. وهو الأنسب
لأن تجعل عليه غشاوة. ومفاد الآية أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدى إلى النظر في حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات. باعتبار وتدبر وحتى لكأنما جعلت عليها غشاوة.
والغشاوة: ما يغطى به الشيء ، من غشاه إذا غطاه. يقال:
غشيه غشاوة - مثلثة - وغشاية. أي: ستره وغطاه.
فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز حصينة، وأقفالا متينة قد ضربت على قلوبهم وعلى أسماعهم، وغشاوات مطبقة على أبصارهم حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير.