{فَذُوقُوا عَذابِي} ، وإنما يذاق الطيب على معنى: أنّه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه في الدنيا. والعظيم: نقيض الحقير، والكبير: نقيض الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أنّ الحقير دون الصغير. قال في «التيسير» : {عَظِيمٌ} أي: كبير، أو كثير، أو دائم، وهو التعذيب بالنار أبدا، ثمّ عظمه بأهواله، وبشدة أحواله، وكثرة سلاسله وأغلاله. فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقّونه في الآخرة. وقيل: هو القتل والأسر في الدنيا، والتحريق بالنار في العقبى.
ومعنى التوصيف بالعظيم: أنّه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه، ومعنى التنكير: أنّ لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه إلّا الله سبحانه وتعالى، فعلى العاقل أنّ يجتنب عمّا يؤدّي إلى العذاب الأليم، والعقاب العظيم، وهو الإصرار على الذنوب، والإكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب. وأمّهات الخطايا ثلاث: الحرص، والحسد، والكبر. فحصل من هؤلاء سّت خصال، فصارت جملتها تسعا: الشبع، والنوم، والراحة، وحّب المال، وحبّ الجاه، وحبّ الرياسة. فحّب المال والرياسة من أعظم ما يجرّ صاحبه إلى الكفر والهلاك.
وظاهر قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ} أنّه إخبار من الله تعالى بختمه، وحمله بعضهم على أنّه دعاء عليهم، وكنى بالختم على القلوب عن كونها لا تقبل شيئا من الحقّ ولا تعيه؛ لإعراضها عنه، فاستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول،
أو مثّل القلب بالوعاء الذي ختم عليه؛ صونا لما فيه، ومنعا لغيره من الدخول إليه. والأول مجاز بالاستعارة، والثاني مجاز بالتمثيل. وتكرير حرف الجرّ في قوله: {وَعَلى سَمْعِهِمْ} يدلّ على أنّ الختم ختمان، أو على التوكيد إن كان الختم واحدا، فيكون أدلّ على شدّة الختم.