الثاني: أن الله تعالى قال: {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام} [الفتح: 27] فلما دخلوا المسجد لا بدّ وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز فِي مسألتنا مثله؟ أجاب المستدل أولاً عن السؤال الأول فقال: عند أبي الحسين البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات، وكيف لا والعلم بأن العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلاً لا علماً، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة.
وعن الثاني: أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة، فقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام} معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام فِي الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد، فنظيره فِي مسألتنا أن يقال إن قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافاً بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلاً فِي الأزل وهذا هو المقصود، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلاً فِي الأزل أو ما كان، فإن لم يكن حاصلاً فِي الأزل كان ذلك تصريحاً بالجهل.
وذلك كفر، وإن قلنا إنه كان حاصلاً فزواله يقتضي زوال القديم، وذلك سد باب إثبات حدوث العالم. والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 36}