وقيل إن ترك العطف لكونه استئنافاً آخر كأنه قيل ثانياً ما بال غيرهم لم يهتدوا به ؟ فأجيب بأنهم لإعراضهم وزوال استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب إلى الإيمان وليس بشيء لأنه بعد ما تقرر أن تلك الأوصاف المختصة هي المقتضية لم يبق لهذا السؤال وجه ، وأغرب من هذا تخيل أن الترك لغاية الاتصال زعماً أن شرح تمرد الكفار يؤكد كون الكتاب كاملاً فِي الهداية نعم يمكن على بعد أن يوجه السؤال بأن يقال: لو كان الكتاب كاملاً لكان هدى للكفار أيضاً فيجاب بأن عدم هدايته إياهم لتمردهم وتعنتهم لا لقصور فِي الكتاب.
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته...
والذنب للطرف لا للنجم فِي الصغر
والعطف فِي قوله تعالى: {إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ} [الإنفطار: 13] لاتحاد الجامع إذ الجملة الأولى مسوقة لبيان ثواب الأخيار ، والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيهما من الترصيع والتقابل وقد عد التضاد وشبهه جامعاً يقتضي العطف لأن الوهم ينزل المتضادين منزلة المتضايفين فيجتهد فِي الجمع بينهما فِي الذهن حتى قالوا إن الضد أقرب خطوراً بالبال مع الضد من الأمثال.
وصدرت الجملة بأن اعتناء بمضمونها وقد تصدر بها الأجوبة لأن السائل لكونه متردداً يناسبه التأكيد وتعريف الموصول إما للعهد والمراد من شافههم صلى الله عليه وسلم بالإنذار فِي عهده وهم مصرون على كفرهم أو للجنس كما فِي قوله تعالى: {كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [البقرة: 171] وكقول الشاعر:
ويسعى إذا ابني لهدم صالحي...
وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم