(وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
اعلم! أن مظان تحري النكت هي: عطف"الواو"، ثم تكرار"أولئك"، ثم"ضمير الفصل"، ثم الألف واللام ، ثم إطلاق"مفلحون"وعدم تعيين وجه الفلاح.
اما العطف فمبني على المناسبة ؛ إذ كما أن (أولئك) الأول إشارة إلى ثمرة الهداية من السعادة العاجلة ؛ فهذه إشارة إلى ثمرتها من السعادة الآجلة. ثم انه مع أن كلاً منهما ثمرة لكل ما مر ، الا أن الأَولى أَن (أولئك) الأول يرتبط عِرْقُه بـ (الذين) الأول ، الظاهر انهم المؤمنون من الأميين ، ويأخذ قوته من أركان الإسلامية ، وينظر إلى ماقبل (وبالآخرة هم يوقنون) . و (أولئك) الثاني ينظر برمز خفي إلى (الذين) الثاني ، الظاهر انهم مؤمنو أهل الكتاب. ويكون مأخذه أركان الإيمان واليقين بالآخرة. فتأمل!
وأما تكرار (أولئك) فإشارة إلى استقلال كل من هاتين الثمرتين فِي العلة الغائية للهداية والسببية لتميزهم ومدحهم ، الا أن الأولى أن يكون (أولئك) الثاني إشارة إلى الأول مع حكمه كما تقول: ذلك عالم وذلك مكرّم.
وأما ضمير الفصل فمع انه تأكيد الحصر الذي فيه تعريض بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبيّ عليه السلام ، فيه نكتة لطيفة وهي: أن توسط (هم) بين المبتدأ والخبر من شأنه أن يحول المبتدأ للخبر الواحد موضوعاً لاحكام كثيرة يُذكَر البعضُ ويُحال الباقية على الخيال ؛ لأن (هم) ينَبِّه الخيال على عدم التحديد ويشوّقه على تحري الأحكام المناسبة. فكما انك تضع زيداً بين عيني السامع فتأخذ تغزل منه الأحكام قائلا: هو عالم ، هو عامل ، هو كذا وكذا. ثم تقول قس! كذلك لما قال (أولئك) ثم جاء (هم) هيّج الخيال لأن يجتني ويبتني بواسطة الضمير أحكاماً مناسبة لصفاتهم ، ك-: أولئك هم على هدى.. هم مفلحون.. هم فائزون من النار.. هم فائزون بالجنة.. هم ظافرون برؤية جمال الله تعالى إلى آخره.