قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) أي: مهمل في حال
القراءة، وتمكث إلى تدارك الناس وبلوغ تتابعهم ودخولهم في الإسلام(وَنزلناه
تَنزِيلاً)أي: من لدن رب العالمين، من ليس كـ كلامه كلام إلى كلام
المخلوقين وكلام العرب، فكما نزل مما هنالك إلى كلام العرب ولسانها، فليس
بمنكبر أن ينزل أيضًا من كلام العرب إلى كلام أخلاط ألسنة العجم، ولا بد من ذلك
والقول به، وقد أبرزه الوجود و (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) .
وأما معنى قوله:"سبعة أحرف"فإنه باب فتح الكثرة؛ إذ الأمم كثيرة والألسنة
جم غفير، ولكل أمة في أنفسها اختلاف في لغاتها كالعرب لغة قريش تخالف لغة
تميم في أشياء، ولغة بلحارث تخالف غيرها في كثير، وكذلك غير من سميناه منهم،
فألسنة الأمم الأعجمية أشدّ اختلافًا.
(فصل)
آية ما تقدم ذكره: الماء ينزله الله - جلَّ جلالُه - من السماء واحدًا، فيصرفه الله جل ذكره
في الأرض إلى نباتها وحيوانها على اختلاف ذلك كله وتغايره في ألوانه وأشكاله
وطعومه ومنافعه ومضاره وأخلاقه ودواعيه ومذاهبه وأمره كله: وكثير ما استشهد
-جلَّ جلالُه - عند إفهام العقول هذه المعاني بالماء ينزله من السماء إلى الأرض.
قال الله جل من قائل: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ(19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20)
وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) . إلى قوله جل قوله:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا)إلى آخر المعنى، فهذا
أمره يستن به سنن الخلقة، وينزله تنزيلاً بعد تنزيل من علو إلى سفل منوِّعه هذا
التنويع كذلك نزل كلامه إلى كلام عباده وقلوبهم وألسنتهم، فأظهر على ذلك
قراءاتهم وأعمالهم.
فصل
عددت ما جاء في القرآن العزيز من أشكالها في أوائل السور أربعة عشر
شكلاً، وعدة السور التي فواتحها الحروف تسعة وعشرون سورة، ولما تركبت في
منازلها ومراتبها بلغت ثمانية وسبعين حرفًا، بل زادت على ذلك، وقد تقدم ذكر