قام، فقرأه كما وعده ربه - عز وجل - ، ووصف - صلى الله عليه وسلم - كيف يأتيه الوحي، فقال - صلى الله عليه وسلم -:"أحيانًا"
يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما
قال"."
وقال الله جلَّ ذكره: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى
قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) ... إلى آخر المعنى.
فهذا تنزيل كلام الله جل ثناؤه منه - عز وجل - إلى ما شاء إلى الروح القدس، إلى
الروح الأمين إلى قلب الرسول على جميعهم السلام، إلى لسان الرسول المبلغ إلى
الناس، ومن لا يجوز عليه التركيب فكلامه غير مركب ولا مؤلف إلا بحكم التنزل
إلى ما شاء.
والكلام المجسم المركب هو الإنسان المجسم من حروف ظاهرة موزونة،
مصورًا صورة ظاهرة بواسطة رسول مجسم مؤلف بصورة ظاهرة وكتاب منزل إلى
لسان قوم على خطابهم وتفاهمهم بحروف ظاهرة ذوات أشكال وصور ظاهرة (لَوْ
كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) .
وقد جاء أن القرآن أنزل جملة ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا،
واسم بيت العزة المنزل إليه القرآن عبارة عن عدَّة حروف ما هنالك، وما عزت
حروفه عليا استغنى عن النطق بما اقتضى القرآن منه بحروفه وأشكاله بجميع
مقتضيات معانيه، وما نزل إليه منها فـ (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ
لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) .
ولو شاء الله جل ثناؤه لختم على قلب الرسول ولسانه، ومحا الباطل ومحقه،
وأحق الحق بكلماته إنه عليم قدير، لكنه أكرم رسله واختصهم بوحيه وولايته
ورسالاته.
وقال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ(3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ
حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) . إلى قوله:(رَبِّ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).