وما قاله الربيع بن أنس أن هذه الحروف حروف الجمل ، وأن ذلك من علوم خاصتهم ، وقد نبه بها على مدد ، فذلك غير ممتنع أن يكون مع المعنى الأول مراداً ، بدلالة أن النبي - عليه السلام - لما أتاه اليهود فسألوه عما أنزل عليه ، تلا عليهم"الم"، فحسبوه ، وقالوا: إن ملكاً يبقى إحدى وسبعين سنة لقصير المدة فعل غيره ؟ فقال:"آلر"، و"آلمر"و"آلمص"فقالوا: خلطت علينا ، فإنا لا ندري بأيها نأخذ.
فتلاوة النبي - عليه السلام - ذلك عليهم ، وتقريرهم على استنباطهم دلالة أنه لا يمتنع أن يكون فِي كل واحدة دلالة على مدة لأمر ما.
وأما ما حكي عنالزبيري أن هذه الحروف ذكرت علماً منه تعالى أن يكون فِي هذه الامة من يزعم أن القرآن ليس بكلام الله ، وإنما هو حكاية كلامه ، فأراد أن يبين أن القرآن مما يكتب ويخبر عن أبعاضه وأجزائه بالحروف التي هي معلومة إنها محدثة ، فإن هذا القول من الوهي بحيث يستغنى عن إظهار بطلانه ، إذ لا يقول أحد إن الكتاب بما هو كتاب ليس بمؤلف من هذه الحروف وإن كانوا قد اختلفوا فِي القرآن.
بل هو مقصور على الكتاب ، أو المراد به هو غيره.
قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} الآية (2) - سورة البقرة.
قال أبو عبيدة: عنى به هذا الكتاب.
وقال غيره: عنى هو الكتاب ، فظن بعض من لم يتقو فِي الحقائق أن قولهم:"ذلك"قد يجيء بمعنى"هذا"و"هو"ليس الأمر على ما ظنوه.
وإنما قصد هذا المفسر أن يبين أن الاسم الذي فيه الألف واللام هو الخبر ، لا لأنه وصف والخبر منتظر ، كقوله تعالى: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} والفصل كما يقع بالمضمرات فإنه يقع بالمبهمات
فإن قيل: إذا كان هذا المعنى ما قدمت فِي"الم ذلك الكتاب"فهلا قيل:"ذلك الكتاب ألم"فإنه قد علم أن حروف التهجي - كما يكون الكتاب المشار إليه - قد يكون شعراً وخطبةً ورسالةً.