أخل بالإقرار) أي قادرا عليه معاندا غير مكره (فهو كافر) سواء اعتقد وعمل أولًا هذا عند
من يقول إن الإقرار ركن من الإيمان فمن قدر عَلَى التَّكَلُّم به بأن لا يكون أخرس وبأن لا
يكره عَلَى تركه بنحو القتل وقطع وتركه يكون كافرا مجاهرا بينه وبين الله تَعَالَى كأن المص
اختار كونه ركنًا لكن قوله والذي يدل عَلَى التصديق وحده الخ. يأباه وهو الراجح عند
الأشاعرة والْمُصَنّف منهم أن الإيمان هُوَ التصديق والْقَوْل الآخر التصديق مع الإقرار وهو
الراجح عند معاشر الْحَنَفيَّة الماتريدية وهو قول أكثر أصحابنا والْقَوْل الأول مذهب
المحققين من أصحابنا فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه من غير عذر لم يكن مؤمنًا عند الله
تَعَالَى وكان من أهل النَّار عند من يقول بأن الإقرار ركن وهو مختار فخر الْإسْلَام وشمس
الأئمة أو كثير من الفقهاء، وأما من ذهب إلَى أن الإقرار ليس بركن فهذا عندهم مؤمن عند
الله تَعَالَى غير مؤمن في أحكام الدُّنْيَا كما أن المنافق عكس ذلك قال في شرح المقاصد
الخلاف فيما إذا كان قادرًا عَلَى التَّكَلُّم وترك التَّكَلُّم لا عَلَى وجه الإباء انتهى. أما من
صدق بقلبه ولم يصادف وقتًا يقر فيه يكون مؤمنًا وفاقًا عَلَى ما فهم من شرح المقاصد وفي
شفاء القاضي عياض في أوائل التقسيم الثاني أن صدق المكلف بقلبه ثم اخترم ومات قبل
اتساع وقت الشَّهَادَة بلسانه فاختلف فيه انتهى. بين هذا الْمَذْكُور في الشفاء وبين ما في
شرح المقاصد مخالفة ظاهرة لكن قال علي القاري في شرح الشفاء الْقَوْل بأن من لم
يتمكن من إتيان الشَّهَادَة لا يكون مؤمنًا مع تحقق التصديق بقلبه ضعيف انتهى. فالتعويل
على ما ذكره في شرح المقاصد وإذا صادف وقتًا يمكن الإقرار فيه وطلب فيه الإقرار وأبى
عنه لا يكون مؤمنًا اتفاقا فيكون كافرا كفرًا [عنادًا] وإذا لم يقر مع التمكن منه بدون الإباء
فمختلف فيه وإذا عرفت هذا التَّفْصيل ظهر لك ما في كلام المصنف من الإجمال والإهمال
فيجب حمل كلامه عَلَى صورة كونه كافرًا.
قوله: (ومن أخل بالعمل) بأن تركه تكاسلًا ولو بطَريق الانهماك أو ارتكب الكبيرة
مستقبحًا إياها (ففاسق) أي بالمرتبة الأولى أو الثانية من المراتب الثلاثة للفسق (وفاقًا) وفاقا
قيد للأخير؛ إذ قوله وكافر الخ. عديل له وهو قيد للأخير بالضرورة ولقد أبعد من قال إنه قيد
للثلاثة؛ إذ يضطرب ارتباط قوله وكافر مع أن المخل بالإقرار غير كافر عند بعض كما فصلناه
(وكافر عند الخوارج) إذ ذهب جُمْهُور ثم إلَى أن كل معصية ولو صغيرة كفر وبعضهم
ذهب إلَى أن الكبيرة كفر دون الصغيرة وكلام المصنف مشير إلَى هذا المذهب بقوله(وخارج
عن الإيمان غير داخل في الكفر)فإن هذا في الكبيرة (عند المعتزلة) فإنهم يثبتون المنزلة
بين المنزلتين أي الكفر والإيمان لأنهم يجعلون الكفر ضد الإيمان فيجوز ارتفاعهما لا
نقيضه حتى يمتنع، وإنَّمَا قيدناه بذلك لأن مراده فاسق اتفاقًا إلا أنه مؤمن فاسق عند أهل
السنة ومن تابعه في ذلك وكون الفاسق مؤمنا مقيد بها كما سيجيء التَّفْصيل في قوله
تَعَالَى: (وَمَا يُضلُّ به إلَّا الْفَاسقينَ) ولم يذكر حال جُمْهُور المحدثين لما
ذكرنا من أن كون العمل جزءًا من الإيمان بعض كونه جزءًا من كماله فهم يحكمون بفسقه
لا بكفره ولا بخروجه من الإيمان وقد أوضحناه سابقًا.