"فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته. فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحُجة إياهم (9) ."
ثم أخذ الإمام الزمخشري، يذكر في إسهاب الدقائق والأسرار واللطائف، التي تستشف من هذه"الحروف"التي بدئت بها بعض سور القرآن، وتابعه في ذلك السيد الشريف في حاشيته التي وضعها على الكشاف، والمطبوعة بأسفل تفسير الزمخشري. وذكر ما قاله الرجلان هنا يخرج بنا عن سبيل القصد الذي نتوخاه في هذه الرسالة. ونوصى القراء الكرام بالاطلاع عليه في المواضع المشار إليها في الهوامش المذكورة وبقي أمرٌ مهمٌّ في الرد على هذه الشبهة التي أثارها خصوم الإسلام، وهي شبهة وصف القرآن بالكلام العاطل. نذكره في إيجاز في الأتى:
لو كانت هذه"الحروف"من الكلام العاطل لما تركها العرب المعارضون للدعوة في عصر نزول القرآن، وهم المشهود لهم بالفصاحة والبلاغة، والمهارة في البيان إنشاءً ونقداً؛ فعلى قدرما طعنوا في القرآن لم يثبت عنهم أنهم عابوا هذه"الفواتح"وهم أهل الذكر"الاختصاص"في هذا المجال. وأين يكون"الخواجات"الذين يتصدون الآن لنقد القرآن من أولئك الذين كانوا أعلم الناس بمزايا الكلام وعيوبه؟!
وقد ذكر القرآن نفسه مطاعنهم في القرآن، ولم يذكر بينها أنهم أخذوا على القرآن أيَّ مأخذ، لا في مفرداته ولا في جمله، ولا في تراكيبه. بل على العكس سلَّموا له بالتفوق في هذا الجانب، وبعض العرب غير المسلمين امتدحوا هذا النظم القرآني ورفعوه فوق كلام الإنس والجن.
ولشدة تأثيره على النفوس اكتفوا بالتواصى بينهم على عدم سماعه، والشوشرة عليه.
والطاعنون الجدد في القرآن لا قدرة لهم على فهم تراكيب اللغة العربية، ولا على صوغ تراكيبها صوغاً سليماً، والشرط فيمن يتصدى لنقد شيء أن تكون خبرته وتجربته أقوى من الشيء الذي ينقده. وهذا الشرط منعدم أصلاً عندهم. انتهى انتهى {شبهات المشككين، لمجموعة من علماء الأزهر الشريف} ...