وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين به، فالأنبياء عليهم السلام ما قالت على الله ما لم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها، ولا تعلَّمت فيه، بل جاءت من عند الله، كما قال تعالى: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ، وقال فيه: إنه {لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} .. وإذا كان الأصل المتكلَّم فيه من عند الله، لا من فكر الإنسان ورويته - وعلماء الرسوم يعلمون ذلك - فينبغى أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم، فيكون شرحه أيضاً تنزيلاً من عند الله على قلوب أهل العلم كما كان الأصل. وكذا قال عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه فِي هذا الباب:"ما هو إلا فهم يؤتيه الله من يشاء من عباده فِي هذا القرآن". فجعل ذلك عطاء من الله يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله، فأهل الله أولى به من غيرهم. فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة فِي الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم، وأعطاهم التحكم فِي الخلق بما يتفون به، وألحقهم بالذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون - وهم فِي إنكارهم على أهل الله يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً - سلَّم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا، وصانوا عنهم أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات، فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات، فإذا كان فِي غد يوم القيامة يكون الأمر فِي الكل، كما قال القائل:
*سوف ترى إذا انجلى الغبار * أفَرَسٌ تحتك أم حمار*
كما يتميز المحق من أهل الله، من المدَّعى فِي الأهلية غداً يوم القيامة. قال بعضهم:
*فإذا اشتبكت دموع فِي خدود * تبين مَن بكى ممن تباكى*