على أن ما ذكرناه آنفًا من أن الواو لما فيها من معنى المغايرة، فهي تؤذن بالاستقلال، يعني أن القائل عندما يقول: جاء زيد وغلامه يسعى بين يديه، قد أخبر إخبارين؛ أخبر بمجيء زيد ثم بحاله عند المجيء، وهذا من شأنه أن يُؤكد جملة الحال، وأن يفيد شدة لصوقها بصاحبها، أما إذا قال القائل: جاء زيدٌ غلامه يسعى بين يديه، فهو يُخبر خبرًا واحدًا؛ يخبر عن مجيءٍ هذه حاله وتلك هيئته، تأمل قول عبد القاهر:"وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن كل جملة وقعت حالًا، ثم امتنعت من الواو؛ فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها، فضممته إلى الفعل الأول في إثباتٍ واحد، وكل جملة جاءت حالًا ثم اقتضت الواو، فذاك لأنك مستأنف بها خبرًا وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات". تفسير هذا: أنك إذا قلت: جاءني زيدٌ يسرع، كان بمنزلة قولك: جاءني زيدٌ مسرعًا، في أنك تثبت مجيئًا فيه إسراعٌ، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل الكلام خبرًا واحدًا، وتريد أن تقول: جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة.
وإياك أن يلتبس عليك الأمر، تظن أن جملة الحال قد انفصلت بهذه الواو عن صاحبها، وتباعدت عنه، إن الأمر على عكس هذا؛ لأن هذه الواو قد قربت الحال من صاحبها وأبرزتها جلية واضحة شديدة الالتصاق به، مؤكدة الانتساب إليه.
{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ... (96) }
ومن تنكيره لإفادة النوعية قول الله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}
فليس المراد مطلق حياة، إذ لا معنى لأن يحرص الإنسان على شيء قد استوفاه بالفعل إنما يحرص على شيء لم يحصل له بعد، فالمراد إذن نوع خاص من الحياة وهو الحياة الممتدة الزائدة، وكأنه يقول: ولتجدنهم أحرصَ الناس وإن عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضيهم وحاضرهم حياةً مستقبلةً؛ ولهذا نكَّر لفظ الحياة؛ للدلالة على هذا النوع منها وهو غير مسند إليه وهكذا.
{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) }
العيوب المخلة بفصاحة الكلمة
فصاحة الكلمة تعني أن تكون الكلمة جارية على القواعد المستنبطة من استقراء كلام العرب، متناسبة الحروف، كثيرة الاستعمال متداولة على الألسن، وإن شئت فقل: أن تكون الكلمة سلسلة سائغة واضحة المعنى موافقة للعرف اللغوي، وقد عرفها علماء البلاغة بقولهم: هي سلامتها من عيوب ثلاثة: تنافر الحروف، ومخالفة القياس اللغوي، والغرابة.