فليس المراد بالأمر في الآية الكريمة التكليف والإلزام والإتيان بسورة من مثله، وإنما المراد إظهار عجزهم عن الإتيان؛ لأنهم إن حاولوا ذلك الإتيان بعد سماع صيغة الأمر ولم يمكنهم ذلك، بَدَا عجزهم وظهر.
وسر بلاغة التعبير بالأمر في مقام التعجيز إبراز قوة التحدي والتسجيل عليهم؛ ليتعظوا ويقلعوا عما هم فيه من عنادٍ ومكابرةٍ. ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111) ، وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 168) ، وقوله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} (لقمان: 11) . فلا يخفَى عليك ما في هذه الآيات من قوة التحدي والتسجيل على المخاطبين وإبراز عجزهم، وفي ذلك لفتهم إلى النظر في حالهم، والتفكر فيما هم فيه من عناد ومكابرة، وسوء تقدير.
{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ... (27) }
ومن شواهد الاستعارة المكنية في نظم القرآن الكريم قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ}
يقول الزمخشري في بيان الاستعارة في الآية الكريمة:"فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد، قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها، أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه."
من ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} (الأعراف: 154) فيمكن حمله على المكنية أيضًا بأن يشبه الغضب بكائن حي يحث موسى - عليه السلام - ويحركه، قد حُذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السكوت، وأثبت هذا اللازم للغضب على سبيل الاستعارة التخييلية.
وهنا لا بد من التنبيه على أمر مهم، وهو أن لازم المشبه به الذي يثبت للمشبه ينبغي أن يكون له اختصاص قوي بوجه الشبه في المشبه به؛ حتى تتحقق المبالغة المطلوبة، وهذا اللازم على نوعين: