{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) }
فقولهم: {آمَنَّا} إخبار بوقوع الإيمان وإحداثه، ولكونهم كاذبين في دعواهم، فقد نفاها الله - عز وجل - بالجملة الاسمية المؤكدة: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} .
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ... (10) }
فهنا نجد أنه استعار لفظ المرض من العلة الجسمانية للنفاق، والعلاقة هي المشابهة الحاصلة بين المرض والنفاق في أن كلًّا منهما يُفسد ما يتصل به، فالمرض يفسد الأجسام، والنفاق يفسد القلوب، والقرينة المانعة من إرادة المرض الجسماني؛ لأن الآية الكريمة مسوقة لذم المنافقين الذين أبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام، ولا معنى لأن يكون الذم في وصفهم بالمرض الجسماني، بل المراد ذمهم بفساد قلوبهم، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز في الآية الكريمة يُنبئ بتمكن النفاق، واستحكامه،
واستقراره في قلوب المنافقين حتى صار مرضًا مازج دماءهم، واستشرى فيها، ونذكر كذلك من هذا القبيل قول زهير:
لدى أسد شاك السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
حيث استعار لفظ الأسد للبطل الشجاع المدجج بالسلاح، وقد أضفت الصفات المذكورة"مقذف له لبد أظفاره لم تقلم"أضفت على المستعار له ألوانًا من القوة، وصنوفًا من البطولة الفائقة. وواضح لك أن المشبه في كلٍّ من الآية والبيت قد طوي، وطرح وذكر في مكانه المشبه به. إذن فهو من قبيل الاستعارة التصريحية، نذكر مثلًا على سبيل المثال من الاستعارة المكنية قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أطفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فقد جعل للمنية أظفارًا تنشبها في فريستها، حيث شبه بالسبع، وطوى المشبه به رامزًا له بشيء من لوازمه وهو الأظفار والأنشاب، اللذان أثبتهما للمشبه، وهذا الإثبات إنما هو قرينة الاستعارة المكنية، ويسمى بالقرينة، أو تُسمى هذه القرينة بالاستعارة التخييلية.
من هنا عرف الخطيب الاستعارة بقوله:"هي ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له"فهي مبنية على التشبيه، وقائمة عليه ومتضمنة له، كما رأيت في الشواهد التي سبق أن ذكرناها. والذي صرح فيها إلا بطرف واحد من طرفي التشبيه، فإن صُرِّح بلفظ المشبه به فهي تصريحية، وإن صُرح بلفظ المشبه وحذف المشبه به فهي استعارة مكنية.