وقد يظن الظان أن تقديم الظرف إنما يكون مقصورا على الاختصاص، وليس الأمر كما ظنه كما حققناه، بل كما يحتمل المشاكلة كما أشرنا إليه فهو يحتمل الاختصاص، فهما محتملان كما ترى، والتحكم بأحدهما لا وجه له، وأما إذا كان واردا في النفي فقد يرد مقدما، وقد يرد مؤخرا، فإذا ورد مؤخرا أفاد النفي مطلقا من غير تفصيل، وهذا كقوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ) [سورة البقرة: 2] فإنه قصد أنه لا يلصق به الريب ولا يخالطه، لأن النفي التصق بالريب نفسه، فلا جرم كان منتفيا من أصله، بخلاف ما لو قدم الظرف فإنه يفيد أنه مخالف لغيره من الكتب فإنه ليس فيه ريب، بل في غيره كما لو قلت: لا عيب في هذا السيف، فإنه نفي العيب عنه على جهة الإطلاق، بخلاف ما لو قلت: هذا السيف لا فيه عيب، ولهذا أخره ههنا وقدمه في قوله تعالى: (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ(47) [سورة الصافات: 47] لأن القصد ههنا تفضيلها على غيرها من خمور الدنيا والمعنى أنه ليس فيها ما في غيرها من الغول، وهو الخمار الذي يصدع الرءوس، أو يريد أنها لا تغتالهم بإذهاب عقولهم كما في خمور الدنيا وَلا يُنْزِفُونَ (19) [سورة الواقعة: 19] أي لا يسكرون، من الإنزاف وهو السكر.
(خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ(7)
حاصل الأمر أن كل من انقاد لهواه، وأعرض عن حكم عقله في كل أحواله، وصار العقل منقادا في حكمة الذل موطوءا بقدم الهوى، فإنه ينزل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فهو معرض عما يأتيه من الحق صادف عنه وهكذا قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) فما هذا حاله معدود في التمثيل، وتقريره أنهم لما نكصوا عن قبول الحق وأعرضوا عما جاء به الرسول من نور الهدى، صاروا في حالتهم هذه بمنزلة من ختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فمن هذا حاله لا اهتداء له إلى الحق ولا طريق إليه، فهكذا حال التمثيل في جميع مجاريه يكون مخالفا للتشبيه المظهر الأداة، ومخالفا للاستعارة أيضا، فيكون على ما ذكرناه من أحد نوعي الاستعارة، وهو الذي يكون الوجه الجامع منتزعا من عدة أمور، وإذا وقفت على حقيقة الأمر فيه فلا عليك في التلقيب.