أخرج ابن جرير «1» عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيا ، فحلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها ، قال: ما أرى هذا بغضب ، إنما الإيلاء فِي الغضب. قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا الذي يحدّثون ، إنما قال اللّه: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذا مضت أربعة أشهر فليخطبها إن رغب فيها ، فحجتهم أن اللّه قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ .. ولم يخصّص.
وحجة الأولين أنّ اللّه جعل مدّة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته ، فإذا لم يكن الامتناع عن مضارة ، بل عن قصد الصلاح والخير ، لم يكن بذلك موليا ، فلا يكون هناك معنى لضرب الأجل ، فتخرج من مساءته ، إذ لا مساءة ، وذهب قوم إلى أن يمين الإيلاء ليست مقصورة على الحلف بترك الوطء ، بل تكون بالحلف على غيره أيضا ، كأن يحلف ليغضبنّها ، أو ليسوءنّها ، أو ليحرمنّها أو ليخاصمنّها: كل ذلك إيلاء.
أخرج ابن جرير «2» عن أبي ذئب العامري أن رجلا من أهله قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق ، واستفتى القاسم وسالما فقالا: إن كلمتها قبل سنة فهي طالق ، وإن لم تكلمّها فهي طالق إذا مضت أربعة أشهر ، ونقل ذلك عن الشعبي أيضا.
وحجة هؤلاء أن اللّه جعل مدة الإيلاء مخرجا للمرأة من سوء عشرة الرجل ، وليست اليمين على ترك الوطء بأولى أن تكون من معاني سوء العشرة من اليمين على أن يضربها ، أو لا يكلمها ، لأنّ كل ذلك ضرر عليها وسوء عشرة.
وظاهر هذه الأقوال كلها أن الإيلاء لا بدّ فيه من اليمين ، وقالت المالكية: إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر ، ولم يحلف ، كان حكمه حكم المولي ، لأنّ الإيلاء لم يرد لعينه ، وإنما أريد لمعنى سوء العشرة والضرر ، وهذا حاصل إذا ضارّها دون يمين.
وقد اختلف الفقهاء فِي الفيء الذي عناه اللّه بقوله: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال بعضهم: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه ، لا فيئة له إلا ذلك ، وإذا عرض عذر من مرض أو سفر ، فلم يغش لذلك ، ومضت مدة الإيلاء ، بانت منه ..
وقال آخرون: هو المراجعة باللسان ، أو القلب فِي حال العذر ، وفي غير حال العذر الغشيان.
وقال آخرون: هو المراجعة باللسان مقام الغشيان فِي حالة العذر ، لأنّه لا يصير مضارا بترك الشيء إلا إذا كان قادرا على الإتيان به وتركه طواعية.
(1) المرجع نفسه (2/ 251) .
(2) فِي تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري (2/ 251) .