قلت: سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى.
فإن قلتم: فهل التسريحُ صريح كلفظ الطلاق، أو لا؟
قلت: لما ذكر الله - سبحانه - في كتابه العزيز، لِفُرقةِ الطلاق ثلاثةَ ألفاظٍ، وهي: الطلاقُ والسَّراحُ والفِراق، احتملَ أن يكون ذَكَرَها في القرآن تنبيهًا على أنها ألفاظٌ موضوعةٌ للفراق في عرف الشرع كلفظ الطلاق، ويحتمل أن يكون استعملَها على موضوعها اللغوي؛ بخلاف الطلاق؛ فإنه لفظ موضوع للفراقِ في وضعِ اللغة، وعُرْف اللسان، وعرف الشرع.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالكٌ في أحد قوليه، فليس للطلاقِ عنده لفظٌ صريحٌ إلَّا لفظ واحدٌ، وهو الطلاق.
وبالأول قال الشافعيُّ في قوله المشهور عنه.
وسيأتي الكلام على الكِنَايَةِ عند الكلام على التحريم - إن شاء الله تعالى - .
38 - (38) قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] .
شرع الله - سبحانه - أن الرجل إذا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، لا تحلُّ له حتَّى تنكحَ زوجًا غيره، وحيث أُطْلِقَ النكاُح في كتاب الله - سبحانه - ، فالمرادُ به العَقْدُ، إلا في هذا المقام؛ فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بيَّن عن الله سبحانه أن المراد به الوَطْء، لا العقد.
روينا في"الصحيحين": أن امرأة رِفاعة القُرَظِيِّ جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: كُنْتُ عند رفاعةَ القرظيِّ، فطلَّقني فبتَّ طلاقي، فتزرجتُ بعده عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوبِ، فتبسم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقال:"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتَّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ".
وبهذا قال عامة أهل العلم، إلَّا سعيدَ بنَ المسيِّب؛ فإنه حُكي عنه أنَّه قال: تحل لزوجها بنفسِ العقد، ولعلَّ الحديثَ لم يبلغ سعيدًا.
والمرادُ بالعُسيلة حصولُ اللذة بالتقاء الخِتانين عندَ عامةِ أهلِ العلم، إلا الحسن البَصْري، فإنه اشترطَ الإنزال، وأطلق العُسيلة على النطفة.
وقد فهمنا من اشتراط كونِ النكاح من زوجٍ أن النكاحَ من غيرِ الزوجِ لا يُحلُّها، ويندرجُ في ذلك ثلاث مسائل: