ثم قال الشافعيُّ: فإن قال قائلٌ: فهل من سُنَّةٍ تدلُّ على هذا؟ قيل: نعم، أنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزُّبير، عن عائشة: أنه سمعها تقول: جاءت امرأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: إني كنت عندَ رفاعةَ، فطلقني، فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوب، فتبسَّمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال:"أتريدينَ أن ترجِعي إلى رفاعة؟ لا حتَّى يذوقَ عُسَيْلَتَكِ، وتَذوقي عُسَيْلَتَهُ"قال: وأبو بكرٍ عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وخالدُ بنُ سعيدٍ بالبابِ ينتظرُ أنْ يؤذَنَ له، فنادى: يا أبا بكر! ألا تسمعُ ما تجهرُ به هذهِ عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
قال: فإن قيل: فقد يحتملُ أن يكونَ رفاعةُ بَتَّ طلاقَها في مَرّاتٍ.
قلت: ظاهره في مرة واحدة، وبتَّ إنَّما هي ثلاثٌ إذا احتملَتْ ثلاثاً، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ"، ولو كانت حَسَبَتْ طلاقَها بواحدة، كان لها أن ترجعَ إلى رفاعةَ بلا زوج.
فإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
قيل: نعم، عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ طلقَ امرأتَهُ ثلاثاً قبلَ أن يخبره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنها تحرم عليه باللّعانِ، فلما أعلمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهاه.
وفاطمةُ بنتُ قيسٍ تحكي للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ زوجَها بتَّ طلاقها، تعني - والله أعلم -: أنَّه طلقها ثلاثاً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ليسَ لكِ عليهِ نفقة"؛ لأنها - والله أعلم - لا رجعةَ لهُ عليها، ولم أعلمْه عابَ طلاقَ ثلاثٍ معاً.
قال: فلما كان حديثُ عائشةَ في رِفاعَةَ موافقاً ظاهرَ القرآن، وكانَ ثابتاً، كان أولى الحديثين أن يؤخذ به، والله أعلم، وإن كان ذلك ليس بالبيِّنِ فيه جداً.
قيل: ولو كان الحديثُ الآخر له مخالفاً، كان الحديثُ الآخر يكون
منسوخاً، والله أعلم، وإن كان ذلكَ ليس بالبيّن فيه جداً. انتهى كلامه، رحمة الله تعالى عليه.