قلت: قد أجمع المسلمون على قبول الجزية كما ورد في كتاب الله - سبحانه - ، وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي عمل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ، فلا يجوز نسخُهُ، ولأنه يؤدي إلى إبطال آية (براءة) ، ولا دليل على نسخها.
وأما تأخر إسلام أحد الراويين، فلا يكون دليلًا على النسخ؛ لجواز أن يكونَ رواهُ عمَّن قَدُم إسلامُه، ثم أرسله عنه.
فإن قلتم: فهل يجوز لقائل أن يقولَ: يجوزُ أخذُ الجزيةِ من عبدَةِ الأوثان بحديثِ ابنِ بُريدةَ؛ بدليل أنَّ الذين كانَ يبعثُ إليهمُ السرايا كانوا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ، ويجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتاب بآية (براءة) ؟
قلت: لا يجوزُ - والله أعلم - القولُ بذلك؛ لما فيه من إبطالِ قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] من غير دليل يدُّل على
النسخ لها، ودعوى كونِ الَّذينَ يبعثُ إليهم أهلَ أوثانٍ، باطِلَةٌ لا بُرهانَ لها، فقدْ كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يبعثُ الأُمراءَ إلى أهلِ الكتابِ، فبعثَ معاذًا وأبا موسى وعليًا إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب. وبعثَ خالدًا إلى دُومَةِ الجَنْدَلِ، وكانوا أهلَ كتابٍ. والله أعلم.
16 - (16) قوله جل ثناؤه: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] .
* حرَّمَ اللهُ - سبحانه - علينا في غيرِ هذهِ الآيةِ القِتالَ في الشَّهرِ الحرام، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] ، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] ، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - قريبًا.
وأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم في الشهرِ الحرامِ إنْ قاتلونا في الشهرِ الحرام، كما أباحَ لنا مُجازاتَهم بذلك في المسجدِ الحرام، فقال: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 194] .