* فإن قلتُم: فبيِّنْ لنا حَدَّ السفرِ والمرضِ عندَ إمامِنا الشافعيِّ وغيرِه من أهل العلمِ، وبيِّنْ لنا مُسْتَنَدَ الشافِعيِّ في التحديد.
قلتُ: أما السفرُ، فذهبَ قومٌ إلى أنه مسيرةُ يومٍ واحدٍ، وذهبَ جماعةٌ إلى أنهُ ثلاثةُ أيامٍ، وهوَ قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ.
وأما الشافعيُّ، فلمّا قامَ الدليلُ عندَهُ على الفرقِ بينَ قليلِ السفرِ وكثيرِهِ، طلبَ دليلاً في التحديدِ، فلم يجدْ إلاّ ما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنهم -: أنهم قَصَروا وأفطروا في أربعةِ بُرُدٍ، فقضى به؛ إذْ لم يجدْ أقل منهُ في التحديد، ومثلُه تقوم به حجَّة في مثلِ هذا المقامِ.
-وأما المرضُ، فإنه لما قامَ الدليلُ - أيضاً - على أنه لا بدَّ من فرقٍ بين قليلهِ وكثيرِهِ؛ إذْ لا عبرَةَ بالمشقَّةِ اليسيرةِ؛ كالسفر القريب، طلبَ دليلاً على التحديد، فلم يجدْ، فنظرَ في المعنى المقصودِ بالرخصةِ، فوجدهُ المشقَّةَ، فجوز للمريض الفِطْرَ إذا جَهَدَهُ الصومُ جَهْداً غير مُحْتَمَلٍ، ومنعه إذا لم يَجْهَدْهُ؛ إذ هو كالصحيح، ولو جَوَّزَ له الإفطارَ بغير مَشَقَّةٍ، لوُجِدَ المعلولُ ولا عِلَّةَ معهُ، وبطلَ المعنى الذي لأجله رُخِّصَ في الفِطْر.
وذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى أنَّ ما يقعُ عليهِ اسمُ المَرضِ يبيحُ الفِطْرَ، وهو قول ابن سيرينَ، ورويَ عن الحَسَنِ أيضاً، وقال الحسنُ وإبراهيمُ: إنه المرضُ الذي تجوزُ معه الصلاةُ من قُعودٍ.
وذهبَ الأكثرون إلى أنه ما يُخافُ من الصوم معهُ زيادةُ عِلَّةٍ غيرِ محتمَلَةٍ.
* إذا تقررَ هذا، فقد اشتملتِ هذه الآية على أربعِ جُمَلٍ:
الجملة الأولى: قولُه - عزَّ وجَلَّ - {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] قرأ أُبَيٌّ: (فعدةٌ من أيامٍ أُخَرَ مُتَتابعاتٍ) ، وروي عن عائشةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنها -: أَنها قالت: نزلت: (من أيامٍ أخرَ متتابعاتٍ) سقطتْ مُتتابعاتٍ، أَيْ: نُسخت.
* واختلفَ العلماءُ في هذهِ الأيامِ.
فقال أكثرُهم: هي على التخييرِ، إن شاءَ جاء بها متتابعةً، وإن شاءَ جاء بها متفرقةً، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وأنسٍ ومعاذٍ وأبي حنيفةَ ومالك والأوزاعيِّ والشافعيِّ، ويروى عن أبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ أنهُ قالَ: إنّ اللهَ تَعالى لم يرخِّص لكم في فِطْرِهِ، وهو يريدُ أن يَشُقَّ عليكمْ في قَضائِهِ.