* ثم بينَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن اللهَ لم يُرِدْ جميعَ الميتةِ، فقال:"أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، المَيْتَتانِ: الحوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ: الكَبِدُ والطِّحالُ"وقال - وقد سُئلَ عن ماءِ البحرِ فقال -:"هو الطهورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".
وإلى التخصيصِ ذهبَ عامةُ أهلِ العلمِ، وإن اختلفوا في تفصيله:
وذهبَ أبو حنيفةَ إلى تحريم الميتةِ مطلقًا، عملًا بالقياس المقصود
بالعموم، واستثنى ما لا نفس له سائلةً، وسيأتي الكلام على هذا في"سورة المائدة"إن شاءَ اللهُ تعالى.
* وبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن غيرَ هذه المحرمات في معناها، فبينها عن اللهِ - سبحانه - ، كما أمره الله تعالى، فحرَّمَ الحُمُرَ الأهليَّةَ، وكلَّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وكلَّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّيْر.
فإن قال القائل: فقد نصَّ اللهُ - سبحانه - على تحريم هذه الأعيان بلفظ يوجبُ الحَصْرَ هنا، وذكرها في"سورة الأنعام"بلفظٍ أوضحَ من هذا الحَصْرِ والتنصيص، وهو النفي بـ (لا) ، والإثبات بـ (إِلا) ، والمذهبُ الصحيحُ عند محقًّقي الأصوليين أنُه لا يجوزُ نسخُ الكتابِ بالسّنَّةِ.
قلنا:
-ذهبَ قومٌ من أهلِ العلم إلى التعارضِ بينَ الآيةِ والآثارِ الواردَةِ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من نسخ الآية بها، ومنهم مَنْ أحكَمَها وعَمِلَ
بخصوصِها، وسيأتي الكلام معهم في"سورة الأنعام"إن شاء الله تعالى.
وذهبَ قومٌ إلى الجمعِ بين الآية والآثار.
فإن قيلَ: فما وجهُ الجَمْعِ؟
قلنا: له وجوهٌ:
أحدها: قال الشافعيُّ - رحمه اللهُ تعالى - وأهلُ التفسيرِ، أو مَنْ سمعتُ منهم يقول في قول الله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] يعني: مما كنتم تأكلون؛ فإن العرب قد كانت تحرم أشياءَ على أنها من الخبائِثِ، وتُحِلُّ أشياءَ على أنها من الطيباتِ عندهم، إلا ما استثني، وحُرِّمتْ عليهمُ الخبائثُ عندهم. قال اللهُ - عزَّ وجلَّ -: وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: 157] .