وقوله تعالى: {فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] المعنى فالواجب اتباع أو الحكم اتباع ونحو ذلك. قال أبو محمد: هذا سبيل الواجبات كقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] وأما المندوب فيأتي منصوبًا كقوله تعالى: {فضرب الرقاب} [محمد: 4] وقد روي: (( فاتباعًا بالمعروف ) )وهذا الذي ذكره أبو محمد منزع لا تقتضيه العربية. وقد حض الله تعالى في هذه الآية على حسن الاقتضاء وحسن القضاء.
وقوله: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] إشارة إلى ما كانت عليه بنو إسرائيل من القصاص خاصة، وقد ذكر بعضهم هذا في الناسخ والمنسوخ.
وقوله تعالى: {فمن اهتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] الاعتداء هاهنا هو القتل بعد العفو على الدية، واختلف في العذاب الأليم ما هو؟ فقال مالك وغيره: هو عذاب الآخرة، وأما حكمه في الدنيا فكمن قتل ابتداء أولياؤه بالخيار إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا. وقال غيره عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو وهو قول قتادة، وعكرمة، والسدي، وروي عن مالك أيضًا. ويشهد لهذا التأويل أيضًا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية ) )وقع في (( تفسير ابن سلام ) ): وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى بعد العقوبة.
(179) - قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة: 179] .
معناه: أن القصاص إذا أقيم ازدجر الناس عن القتل ونحوه. وقال العرب: القتل أوقي للقتل، وروي: أنفى وأبقى. وهذا تنبيه على الحكمة في شرع القصاص وإبانة الغرض منه. وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم لأنهم المنتفون به، كما قال: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] مع قوله {نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] وقال: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] مع قوله في موضع آخر: {هدى للناس}