الجزية؟ وكيف يتحقق إكراهه على الإسلام ، وذلك الإسلام لا ينفعه عند اللّه تعالى؟ .. وما معنى الحمل على ما لا ينفع؟ .. ولأي معنى فرق بين المشرك والكتابي فِي هذا المعنى ، والعناد الداعي إلى القتال كان فِي حق أهل الكتاب أشد ، وقد وصفهم اللّه تعالى بأنهم حرفوا وكتموا الحق من بعد علمه ، والمشركون كانوا أبعد من ذلك؟ ..
والجواب: أن الكفار أكرهوا على إظهار الإسلام ، لا على الاعتقاد الذي لا يصح الإكراه عليه.
نعم ، الدليل منصوب على تبديل الباطل بالحق ، اعتقادا بالقلب وإظهارا باللسان.
لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام ، اقتضت منهم إظهاره ، والقتال لإظهار الإسلام ، وكانت الحكمة فِي ذلك «1» أن مجالسته المسلمين ، وسماعه للقرآن ، ومشاهدته لدلائل الرسول عليه السلام ، مع ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام ، وتوضح عنده فساد اعتقاده.
والحكمة الثانية ، أن فِي نسلهم من يعتقد التوحيد ، فلم يجز أن يقتلوا ، مع العلم بأنه سيكون من أولادهم من يعتقد الإسلام والإيمان.
ولما أعلم اللّه تعالى نوحا ، أن قومه لا يلدون إلا فاجرا كفارا ، لا جرم دعا عليهم بالهلاك والاستئصال.
ويجوز أن يكون اختلاف أحوال أهل الشرك ، وأهل الكتاب فِي ذلك ، أن الكتابي إذا خالطنا ، ورأى توافق ما بين الشرائع ، وصدق الإعلام والآيات ، كان ذلك أدعى إلى إيمانه ، فإن كتب اللّه يصدق
(1) أي فِي إكراهه على أن يظهر الإسلام وأن كان غير معتقد له.