وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النُّسُكَ وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إِلَى كَشْفِ أُمُورِ التَّخْيِيرِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَا وَجْهُهُ وَجْهُ التَّخْيِيرِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا لَا تَخْيِيرَ فِيهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّخْيِيرِ، بَلْ كَانَ عَلَى مَرَاتِبٍ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ فَاحْتَجْنَا إِلَى كَشْفِ مَا ذَكَرْنَا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا كَانَ تَخْيِيرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبٍ بَيْنَ الْهَدْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا سِوَاهُ مِمَّا فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ يُرَدْ بِهَا كَعْبٌ خَاصَّةً، إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا النَّاسُ جَمِيعًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِبْيَانَ حُكْمِهَا لِلنَّاسِ جَمِيعًا، فَذَكَرَ الْأَصْنَافَ الَّتِي يُخَيَّرُونَ بَيْنَهَا