ولم يقل أمر الشيعة عند حد الانقسام إلى حزبين أو ثلاثة، بل تفرَّقت بهم الأهواء - كما قلنا - إلى حد الكثرة فِي التحزب، وكان كل حزب له عقيدة خاصة لا يشاركه فيها غيره، ورأى خاص لا يقول به سواه.
وكان طبيعياً - وكل حزب من هذه الأحزاب يَدَّعي الإسلام، ويعترف بالقرآن ولو فِي الجملة - أن يبحث كل عن مستند يستند إليه من القرآن ويحرص كل الحرص على أن يكون القرآن شاهداً له لا عليه، فما وجده من الآيات القرآنية يمكن أن يكون دليلاً على مذهبه تمسك به، وأخذ فِي إقام مذهبه على دعامة منه. وما وجده مخالفاً لمذهبه حاول بكل ما يستطيع أن يجعله موافقاً لا مخالفاً، وإن أدى هذا كله إلى خروج اللفظ القرآني عن معناه الذي وُضِعَ له وسِيقَ من أجله. وإليك طرفاً من تأويلات هؤلاء الغلاة:
* من تأويلات السبئية:
فمثلاً نجد بعض السبئية يزعم أن علياً فِي السحاب، وعلى هذا يُفسِّرون الرعد بأنه صوت عليّ، والبرق بأنه لمعان سَوْطه أو تبسمه، ولهذا كان الواحد منهم إذا سمع صوت الرعد يقول: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
كذلك ندد زعيم السبئية يزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيرجع إلى الحياة الدنيا، وتأوَّل على ذلك قوله تعالى فِي الآية [85] من سورة القصص: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ} . *
* من تأويلات البيانية:
كذلك نجد بيان بن سمعان التميمى زعيم البيانية، يزعم أنه هو المذكور فِي القرآن بقوله تعالى فِي الآية [138] من سورة آل عمران: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} .. ويقول: أنا البيان، وأنا الهدى والموعظة.
كما نراه يزعم أن الله تعالى رجل من نور، وأنه يفنى كله غير وجهه، ويتأوَّل على زعمه هذا قوله تعالى فِي الآية [88] من سورة القصص: