للاتكالِ على المغفرةِ ، فإنَّه كان يجتهدُ فِي الشكرِ أعظمَ الاجتهادِ ، فإذا عُوتبَ
على ذلكَ ، وذُكرتْ له المغفرةُ ، أخبرَ أنَه يفعلُ ذلك شكرًا.
كما فِي"الصحيحينِ"عن المغيرةَ ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقومُ حتى تتفطَّر قدمَاه ، فيقالَ له: تفعلُ هذا ، وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبِكَ وما تأخَّرَ.
فيقولُ:"أفلا أكونُ عبدًا شكورًا".
وقد كان يواصلُ فِي الصيامِ وينهاهم ، ويقول:"إنِّي لستُ كهيئتِكم ، إنِّي أظلُّ"
عند ربي يطعمنِي ويسقيني"."
فنسبةُ التقصيرِ إليه فِي العملِ لاتكالِه على المغفرةِ خطأ فاحشٌ ، لأنه
يقتضي أن هديَه ليسَ هو أكمل الهديِ وأفضلَه ، وهذا خطأ عظيم ، ولهذا كانَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ فِي خطبته:
"خير الهديِ هديُ محمد".
ويقتضي - أيضًا - هذا الخطأ أنَّ الاقتداءَ بهديِه فِي العملِ ليس هو أفضلَ.
بلِ الأفضلُ الزيادةُ على هديه فِي ذلك ، وهذا خطأ عظيم جدًّا ؛ فإنَّ اللَّهَ
تعالى قد أمرَ بمتابعتِه ، وحثَّ عليها ، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
فلهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يغضبُ من ذلك غضبًا شديدًا ، لما فِي هذا الظن من القدح فِي هديه ومتابعتِه والاقتداءِ به.
وفي روايةِ للإمامِ أحمد:"واللَّهِ ، إنّي لأعلمُكُم باللَّهِ ، وأتْقَاكم له قلبًا".
وقولُه فِي الروايةِ التي خرَّجها البخاريُّ فِي هذا الباب:
"إنَّ أتقاكمْ وأعلمكُم باللَّهِ أنا"، فيه: الإتيانُ بالضميرِ المنفصلِ مع تأتَي الإتيانِ بالضميرِ المتصلِ ، وهو ممنوع عند أكثرِ النحاةِ ، إلا للضرورةِ ، كقولِ الشاعِرِ:
ضَمِنَتْ إيَّاهُمُ الأرْضُ فِي دَهْرِ الدَّهَارِيرِ
وإنَّما يجوزُ اختيارًا ، إذا لم يتأتَّ الإتيانُ بالمتصلِ ، مثلُ أن تبتدئ بالضميرِ