وهذا القول الأخير على مذهب الكوفيين، ولا يجيزه أكثر البصريين، وقد ذهب إليه جماعة من
المتأخرين ممن يري رأي البصريين.
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ)
الزحزحة: التنحية. والعذاب: اسم للتعذيب، وهو بمنزلة الكلام من التكليم.
والتعمير: طول العمر، وعُمر الشي، ومدته سواء.
وقوله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ) فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره
في قوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) .
والثاني: أنه كناية عن التعمير. والثالث: أنه عماد،
ومنع الزجاج هذا القول الأخير قال: إذا جاءت (الباء) في خبر (ما) لم يصلح العماد عند البصريين،
ولا يجوز عندهم: ماهو بقائم، ولا: ما هو قائما زيد. قال غيره: إذا كانت (ما) غير عاملة في
(الباء) جاز؛ كقولك: ما بهذا بأس.
(فصل)
ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أَنْ يُعَمَّرَ) ؟
والجواب: رفع، فإن قيل: من أي وجه؟ - قيل: من وجهين:
أحدهما: إبتداء وخبره (بِمُزَحْزِحِهِ) . أو يكون على تقدير الجواب لما كُني عنه؛ كأنه قيل: وما هو
الذي بِمُزَحْزِحِهِ، فقيل: هو التعمير.
والوجه الآخر: أن يرتفع (بِمُزَحْزِحِهِ) ارتفاع الفاعل بفعله؛ كما تقول: مررت برجل معجبٍ قيامُه
وقيل في معنى (بِمُزَحْزِحِهِ) بمبعده، وقال ابن عباس: بمنحيه. وهو قول أبي العالية أيضاً.
قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)
قال ابن دريد: النسخ نسخك كتابا عن كتاب. قال صاحب العين: النسخ أن تُزيل أمرًا كان من
قبل يُعمل به ينسخُه بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم يُخفف عن العباد، فينسخ تلك الآية آيةٌ
أخرى، فالأولى منسوخة والأخرى ناسخة.
والنسأ: التأخير. والآية: القطعة من القرآن، قال ابن عباس:"مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ"ما نبدل من آية:.
(فصل)
ومما يُسأل عنه أن يقال: ما معنى (ننسأها) بالهمز؟
قبل: نؤخرها. قيل: فما معنى التأخير هاهنا؟
ففي هذا جوابان:
أحدهما: أن يكون المعنى نؤخرها فلا ننزلها، وننزل بدلًا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو تكون
أصلح للعباد منها.