دليل على أن كل مدعي دعوى ، محتاج إلى تثبيتها وإقامة البرهان عليها ، ثم لا يقبل ذلك البرهان ، إلا أن يكون مأخوذا عن الله - جل وتعالى - لقوله فِي الآية التي قبل هذه حيث ادعى القوم أن لا تمسهم النار إلا أياما معدوة: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80 ) ) .
فلم يصحح لهم دعواهم إلا بعهد لهم يكون عنده ، أو ضمان يسبق
منه لهم ، ليكون الارتياب زايله عن صحتها ومحققا لها.
وفي قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(116 ) )
دليل على أن"كل"يخبر بها عن الجميع وعن الواحد ، فأما الجميع هاهنا فعلى المعنى ، وأما التوحيد فعلى اللفظ والجنس.
قال الله - جل وعلا - فِي سورة بني إسرائيل: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) فوحد"يعمل".
تطهير:
وفي قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125 ) )
من جهة الفقه أن ذكر التطهير ليس بدال على النجاسة فِي كل موضع ، إذ نحن على يقين من أن البيت لم يكن نجسا بنجاسة القذر فأمر بتطهيره منه ، وكذلك أمره الجنب بالتطهر فِي قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)
ليس بدال على إزالة قذر ، إذ الجنب بخروج النطفة منه لا ينجس نجاسة الأقذار ، ولا المحدث بخروج البول والغائط منه ينجس ، وإنما يطهر أعضاء وضوئه ، والجنب جميع بدنه استعبادا لا تطهير قذر ، فليس لاعتلال من اعتل ، واستدل على نجاسة الكلاب بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات"