«فَإِنْ قِيلَ» : إنّ كلمة (إذا) لا تفيد العموم والمراد من الآية العموم؛ لأنّ المعنى كلما تداينتم بدين
فاكتبوه، فلم عدل عن كلما وقال: إذا تداينتم؟
أجيب: بأن كلمة (إذا) وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنها لا تمنع من العموم وهاهنا قام الدليل على أنَّ المراد هو العموم، واختلفوا في هذه الكتابة، فقال بعضهم: هي واجبة والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ} (الجمعة، 10) وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ الكل بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .
{وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}
«فَإِنْ قِيلَ» : هلا اقتصر على قوله (فإنه آثم) وما فائدة ذكر القلب؟ ـوالجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟
أجيب: بأن كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان أي: الكتمان إثماً مقترفاً أي: مختلطاً بالقلب أسند إليه؛ لأنه محل كتمان الشهادة وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا ترى أنك تقول: إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظنّ أنَّ كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أنَّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من سائر أفعال الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها، ألا ترى أنَّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.