قال البيضاويّ رحمه الله تعالى: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحاً أو ضمناً، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأوّل بقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ} إلى {وَالنَّبِيِّينَ} وإلى الثاني بقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ} إلى {وَفِي الرِّقَابِ} وإلى الثالث بقوله: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان» .
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من أَخِيهِ شَيْءٍ}
«فَإِنْ قِيلَ» : إن عفا يتعدّى بعن لا باللام فما وجه قوله فمن عفي له؟
أجيب: بأن عفا يتعدّى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه قال تعالى: (عفا الله عنك) وقال: (عفا الله عنها) ، فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معاً قيل: عفوت لفلان عما جنى كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه، وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية.
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
كلام في غاية الفصاحة والبلاغة حيث جعل الشيء محل ضدّه وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعاً من الحياة عظيماً وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة.
قال الزمخشريّ: وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لأنّ القاصد للقتل؛ إذا علم أنه إن قتل يقتل يمتنع فيكون فيه بقاؤه وبقاء من يهتم بقتله.