{كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} أي يعرفونه عليه الصلاة والسلام بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم ولا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤُهم،
وتخصيصُهم بالذكر دون ما يعم البناتِ لكونهم أعرفَ عندهم منهن بسبب كونِهم أحبَّ إليهم.
عن عمرَ رضيَ الله عنه أنَّه سأل عبدُ اللَّه بنَ سلامٍ رضيَ الله عنْهُ عنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنا أعلم به مني بابني قال ولِمَ قال لأني لست أشكُّ فيه أنه نبي فأما ولدي فلعل والدتَه خانت فقبَّل عمر رأسه رضي الله عنهما.
{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) }
وإيثارُ صيغةِ المتكلم مع الغير بعد التوحيد فيما قبله افتنانٌ وجَرَيانٌ على سَنن الكبرياء
{يَتْلُو عليكم آياتنا} صفة ثانيةٌ لرسول كاشفةٌ لكمال النعمة.
{وَيُزَكِيكُمْ} وإنَّما وَسَّطَ بينَهُما التزكية هيَ عبارةٌ عنْ تكميلِ النفسِ بحسَبِ القوةِ العمليةِ وتهذيبِهَا المتفرعِ عَلَى تكميلِهَا بحسبِ القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليمِ المترتبِ على التلاوةِ للإيذانِ بأنَّ كلاً منَ الأمورِ المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالِهَا مستوجبةٌ للشكرِ فَلَو رُوعِي ترتيبَ الوجودِ كما في قوله تعالى (وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يتلو عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم) لتبادَر إلى الفهمِ كونُ الكلِّ نعمةً واحدةً كمَا مر نظيرُه في قصة البقرةِ وهُوَ السرُّ في التعبيرِ عن القرآنِ تارةً بالآياتِ وَأُخْرَى بالكتابِ والحِكمة رمزاً إلى أنَّه باعتبارِ كلِّ عنوانٍ نعمةٌ عَلى حدةٍ ولا يقدحُ فيهِ شمولُ الحكمةِ لِمَا في تضاعيف الأحاديثِ الشريفةِ من الشرائع.