قلت: ليس المراد تفسير التوبة بالقتل بل بيان أن توبتهم لا تتم إلا بالقتل، وإنما كان كذلك لأن الله أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل.
«فإنْ قلتَ» : التائب من الردة لا يقتل فكيف استحقوا القتل وقد تابوا من الردة؟
قلت ذلك مما تختلف فيه الشرائع فلعل شرع موسى كان يقتضي أن يقتل التائب من الردة إما عاما في حق الكل، أو خاصا في حق الذين عبدوا العجل.
(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ)
وذلك أنهم سئموا من المن والسلوى وملوه، فاشتهوا عليه غيره لأن المواظبة على الطعام الواحد تكون سببا لنقصان الشهوة.
«فإنْ قلتَ» : هما طعامان فما بالهم قالوا على طعام واحد؟
قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل عدة ألوان يداوم عليها في كل يوم لا يبدلها كانت بمنزلة الطعام الواحد.
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
«فإنْ قلتَ» : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق فما فائدة ذكره؟
قلت: ذكره وصفا للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وهو ما أمر الله به وتارة بغير الحق وهو قتل العدوان فهو كقوله: (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) فالحق وصف للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى حق وجور. يروى أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار، وقامت إلى سوق بقلها في آخره، وقتلوا زكريا ويحيى وشعياء وغيرهم من الأنبياء.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)
«فإنْ قلتَ» : كيف قال في أول الآية (إن الذين آمنوا) وقال في آخرها (من آمن بالله) فما فائدة التعميم أولا ثم التخصيص آخرًا؟
قلت: اختلف العلماء في حكم الآية فلهم فيه طريقان: