وَمَنْ جَمَعَ مع الرحمة ووحَّد مَعَ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ في القرآن، نحو: (الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) و (الرِّيحَ الْعَقِيمَ) فَجَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ مَجْمُوعَةً مَعَ الرَّحْمَةِ مُفْرَدَةً مَعَ الْعَذَابِ، إِلَّا فِي يُونُسَ فِي قَوْلِهِ: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) .
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَقُولُ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا) .
وَذَلِكَ لِأَنَّ رِيحَ الْعَذَابِ شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم وَاحِدٌ، وَرِيحُ الرَّحْمَةِ لَيِّنَةٌ مُتَقَطِّعَةٌ فَلِذَلِكَ هِيَ رِيَاحٌ.
فَأُفْرِدَتْ مَعَ الْفُلْكِ فِي (يُونُسَ) ، لِأَنَّ رِيحَ إِجْرَاءِ السُّفُنِ إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ ثُمَّ وُصِفَتْ بِالطَّيِّبِ فَزَالَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِيحِ الْعَذَابِ.
(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)
قوله تعالى: (لَآياتٍ) أَيْ دَلَالَاتٍ تَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ هَذِهِ الْأُمُورَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) ليدل بها عَلَى صِدْقِ الْخَبَرِ عَمَّا ذَكَرَهُ قَبْلَهَا مِنْ وَحْدَانِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ، وَذِكْرُ رَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَجَّ بِهَا) أَيْ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا أَنْكَرْتَ أَنَّهَا أَحْدَثَتْ أَنْفُسَهَا؟
قِيلَ لَهُ: هَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّهَا لَوْ أَحْدَثَتْ أَنْفُسَهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَحْدَثَتْهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ أَوْ هِيَ مَعْدُومَةٌ، فَإِنْ أَحْدَثَتْهَا وهي
مَعْدُومَةٌ كَانَ مُحَالًا، لِأَنَّ الْإِحْدَاثَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنْ حَيٍّ عَالِمٍ قَادِرٍ مُرِيدٍ، وَمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فَوُجُودُهَا يُغْنِي عَنْ إِحْدَاثِ أَنْفُسِهَا.