والثالث: أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه، وجري أحكامه عليه، فذلك دليل على ذلّه لربّه.
ذكرهنّ ابن الأنباريّ.
(وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(117)
«فَإِنْ قِيلَ» : هذا خطاب لمعدوم؟
فالجواب أنه خطاب تكوين يُظهر أثر القدرة، ويستحيل أن يكون المخاطب به موجوداً، لأنه بالخطاب كان، فامتنع وجوده قبله أو معه.
ويحقق هذا أن ما سيكون متصوّر العلم فضاهى بذلك الموجود، فجاز خطابه لذلك.
قوله تعالى: (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : لم يكن هناك بيت، فما معنى أمرهما بتطهيره؟
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمر بإخراجها، قاله عكرمة.
والثاني: أن معناه: ابنياه مطهراً، قاله السدي.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يكون جواب: (كَما أَرْسَلْنا) (فَاذْكُرُونِي) فإن قوله: (فَاذْكُرُونِي) أمر، وقوله: (أَذْكُرْكُمْ) جزاؤه؟
فالجواب: أن المعنى: إن تذكروني أذكركم.
قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ)
«فَإِنْ قِيلَ» : فنحن نراهم موتى، فما وجه النهي؟
فالجواب أن المعنى: لا تقولوا: هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات، ولا تنال من تحف الله ما لا يناله الأحياء، بل هم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتاً من جهة خروج الأرواح ذكره ابن الأنباري.
«فَإِنْ قِيلَ» : أليس جميع المؤمنين منعّمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم الشهداء؟
فالجواب: أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ومآكلها، وغيرهم منعم بما دون ذلك، ذكره ابن جرير الطّبريّ.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(161)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وأهل دينه لا يلعنونه؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنهم يلعنونه في الآخرة، قال الله عزّ وجلّ: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ، وقال: (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) .
والثاني: أن المراد بالناس هاهنا المؤمنون، قاله ابن مسعود وقتادة ومقاتل.
فيكون على هذا من العام الذي أريد به الخاص.
والثالث: أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها: لعنة جميع الناس تغليباً لحكم الأكثر على الأقل.