اشتاقت طباعهم إلى ما جرت عاداتهم عليه، فقالوا: (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) وكفّوا عن المنّ والسلوى، وإنما قالوا (واحد) وهما اثنان لأن العرب تعبّر عن اثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الاثنين كقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) ، وإنما يخرجان من المالح منهما دون العذب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المنّ والسلوى فيصير طعاما واحدا فيأكلونه.
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ...(67)
وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه.
(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ...(70)
فإن قيل: لما قال (تشابه) والبقر جمع فلم لم يقل تشابهت؟
قيل فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: إنّه ذكر لتذكير بلفظ البقر، كقوله (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) .
وقال المبرّد: سئل سيبويه عن هذه الآية؟
فقال: كل جمع حروفه أقل من حروف واحده فإنّ العرب تذكّره، واحتج بقول الأعشى:
ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل
ولم يقل مرتحلون.
وقال الزّجاج: معناه إنّ جنس البقر تشابه علينا.
(بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81)
وإنّما قال هاهنا (بلى) للجحود الّذي قبله وهو قوله (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) .
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...(83)
ووصّيناهم بالوالدين إحسانا برّا بهما وعطفا عليهما.
وانّما قال (بِالْوالِدَيْنِ) وأحدهما والدة لأنّ المذكّر والمؤنّث إذا اقتربا غلب المذكّر لخفّته وقوّته.