والثالث: أن قوله: (تلك عشرة كاملة) استطراد كلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد، وذاك أنه قد قيل: العددُ أول العلوم وأشرفها، أما كونه أولاً، فلأن ما عداه به تميز وتفضل، وأما كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغيير، بل هو لازم طريقة واحدة، فذكر العشرة، وصفها بالكاملة، إذ هي عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد مبدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد زوج محدود، أي مجتمع من ضرب عدد في نفسه، والخمسة أول عدد دائر، والستة أول عدد تام، أي إذا أُخذت أجزاؤه لم يزد عليه ولم ينقص منه، والسبعة أول عدد أول أي لا يتقدمه عدد بعده، والثمانية أول عدد زوج الزوج والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عقد ينتهي إليه العدد، فإن كل عدد بعده مكرر منه بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل.
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... (197) }
«إن قيل» : الفسوق محظور في كل حال، فكيف خص به الحج؟
قيل: الفسوق هاهنا يعني الأشياء المحظور تعاطيها في حال الحج كالصيد والطيب، واللباس، وإن لم يكن فسقاً في غير الحج؟
قيل: تخصيص الحج به تنبيه على شرفه وعظم موقعه، كقوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} وإن كان ظلم النفس في كل حال مكروهاً، وكما قال:
"إذا صام أحدكم فلا يجهل، فلا يرفث، فإن جهل عليه فليقلْ: إني صائم".
قوله تعالى: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}
«إن قيل» : كيف خير بين أن يذكر كـ ذكر الآباء وبين أن يذكر أشده ذكراً؟
قيل: لفظ (أو) وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما، أعني نعمة الأب ونعمة الله - عز وجل - وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب.