والآخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته فيه وهو المعني بقوله {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} ، والصلاح وإن اعتبر بأحوال الدنيا، فمجازى به في الآخرة، فبين تعالى أنه مجتبى في الدنيا لما عرف الله من حكمته فيه، ومحكوم له في الآخرة بصلاحه في الدنيا تنبيهاً أن الثواب في الآخرة يستحقه باصطفائه في الدنيا، وإنما استحق لصلاحه فيها، وجوز أن يكون قوله"في الآخرة"أي في أفعال الآخرة لمن الصالحين، ويجوز إن عنى بقوله"في الدنيا"حال بقائه، و"في الآخرة"حال وفاته، ويكون الإشارة بصلاحه إلى الثناء الحسن عليه الذي رغب إلى الله تعالى فيه بقوله: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} .
ويجوز أنه لما كان الناس ثلاثة أضرب:
ظالم، ومقتصد، وسابق عبَّر عن السابق بالصالح، فكل سابق إلى طاعة الله ورحمته صالح.
وفي الجملة، فإن الصالح هو الخارج عن حد الرذيلة، وليس في الدنيا على الإطلاق بكل نظر صالح، بل عامة ما فيه يمكن أن يوصف بفاسد بها إما حالة ما أو بنظر ما، فإذن الصلاح المطلق في الآخرة، فلهذا خص بها.
«فإن قيل» : لم قال: (نعبد إلهك وإله آبائك) وتكرير اللفظ يقتضي معبودين؟
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما من حيث اللفظ، وهو أن المضاف إلى المضمر متى عطف على المضاف إليه لابد من إعادة المضمر إذ كان المضمر المجرور لا يصح العطف عليه.
والثاني من حيث المعنى، وهو أن المعبود لما لم يمكن سبيل إلى الوصول إليه إلا بالنظر، فكان لدى واحد نظر، بينوا أن معبودنا هو الواحد الذي أثبته، وأثبته آباؤك، ثم بين بقوله، (ونحن له) أنه واحد.
قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ}