وقيل:"النعمة على الإنسان ضربان": نعمة تصل إليه من المنعم بلا واسطة، ونعمة تصل إليه من المنعم بواسطة، أو بوسائط وذلك كتسخير الله من يزرع لنفسه زرعاً يصل إلينا نفعه على بعض الوجوه، فهذا الزارع منعم علينا،
وعلى هذا قيل: إن الله تعالى منعم على كل واحد منا بأكثر ما يتعاطاه الناس من أعمالهم من المهن والصنائع المرفقة لأنفسهم، ونحو هذه الآية قول الله - عز وجل - {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} وإعادة قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ، فلأن الأول: حث على استيقاء نعمته بالوفاء بعهده، والثاني: لتبينها بتفضيلهم على العالمين.
قوله تعالى {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}
«إن قيل» : كيف قال ذلك، وقد أثبتت الشفاعة في غير آية؟
قيل: هذا رد على اليهود فيما ادعوه حيث قالوا:"نحن أبناء الأنبياء وهم يشفعون لنا وإن ارتكبنا ما ارتكبنا، فنبه على أنه ليس لهم شفاعة كما قال: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} "
وقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} ، والضمير من قوله - عز وجل - {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} راجع إلى النفس الأولى وقيل أنه راجع إلى الثانية، وفي قوله: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} راجع إلى الثانية لا محالة، وقوله: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ، أي ليس لهم من ينتصر من الله تعالى بأن يمنعهم من عذابه إشارة إلى قوله تبارك وتعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} ، وقوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي} ، قيل: معناه: {لَا تَجْزِي} فيه، فحذف، وهو قول الكسائي.
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }