معنى (من قبله) أي من قبل هدايته، ومعنى (كنتم من قبله لمن الضالين) هذا من التوكيد للأمر، كأنه قيل وما كنتم من قبله إلا ضالين.
(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(199)
قيل كانت الحُمْسُ من قريش وغيرها لا تفيض مع الناس في عرفة - تتمسك بسنتها في الجاهلية، وتفعل ذلك افتخاراً على الناس وتعالياً عليهم، فأمرهم الله عزَّ وجلَّ أن يساووا الناس في الفرض، وأن يقفوا مواقفهم وألا يفيضوا من حيث أفاضوا.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي سلوه أن يغفرَ لكم من مخالفتكم الناسَ في الإِفاضة والموقف.
(أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(202)
أي دعاؤهم مستجاب لأن كسبهم ههنا الذي ذكر هو الدعاءُ وقد ضمن اللَّه الإِجابة لدعاء من دعاه إِذا كان مؤمناً، لأنه قد أعلمنا أنه يضل أعمال الكافرين، ويحبطها، ودعاؤُهم من أعمالهم.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ)
المعنى أنه قد علم ما للمحاسَب وما عليه قَبْل توقيفه على حسابه، فالفائدة في الحساب علم حقيقته -
وقد قيل في بعض التفسير - إِن حساب العبد أسرع من لمح البصر - واللَّه أعلم.
(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ...(203)
قالوا: هي أيام التشريق.
(معدودات) يستعمل كثيراً في اللغة للشيء ِ القليل - وكل عدد قل أو كثر فهو معدود، ولكن (معدودات) أدل على القلة، لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء، نحو دريْهمَات وجماعات.
وقد يجوز وهو حسن كثير أن تقع الألف والتاء للكثير.
وقد ذُكِرَ أنه عيبَ عَلى القائل:
لنا الجَفَنَاتُ الغر يلمعْن بالضحى ... وأسيافنا يقطرْنَ من نجدة دمَا
فقيل له لم قَلَّلْتَ الجَفَنَاتِ ولَمْ تَقُل: الجِفان؟