فَأَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ غُفْرانَكَ هُوَ ذَلِكَ الْغُفْرَانُ الْكَبِيرُ، كَانَ الْعَبْدُ يَقُولُ: هَبْ أَنَّ جُرْمِي كَبِيرٌ لَكِنَّ غُفْرَانَكَ أَعْظَمُ مِنْ جُرْمِي وَثَالِثُهَا: كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: كُلُّ صِفَةٍ من صفات جلالك وإلهيتك، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَوْلَا الْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ لَمَا ظَهَرَتْ آثَارُ قُدْرَتِكَ، وَلَوْلَا التَّرْتِيبُ الْعَجِيبُ وَالتَّأْلِيفُ الْأَنِيقُ لَمَا ظَهَرَتْ آثَارُ عِلْمِكَ، فَكَذَا لَوْلَا جُرْمُ الْعَبْدِ وَجِنَايَتُهُ، وَعَجْزُهُ وَحَاجَتُهُ، لَمَا ظَهَرَتْ آثَارُ غُفْرَانِكَ، فَقَوْلُهُ غُفْرانَكَ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْغُفْرَانِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ ظُهُورُ أَثَرِهِ إِلَّا فِي حَقِّي، وَفِي حَقِّ أَمْثَالِي مِنَ الْمُجْرِمِينَ.
وَأَمَّا الْقَيْدُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) فَفِيهِ فَوَائِدُ
أَوَّلُهَا: رَبَّيْتَنِي حِينَ مَا لَمْ أَذْكُرْكَ بالتوحيد، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عند ما أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي تَوْحِيدِكَ
وَثَانِيهَا: رَبَّيْتَنِي حِينَ كُنْتُ مَعْدُومًا، وَلَوْ لَمْ تُرَبِّنِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمَا تَضَرَّرْتُ بِهِ، لِأَنِّي كُنْتُ أَبْقَى حِينَئِذٍ فِي الْعَدَمِ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَوْ لَمْ تُرَبِّنِي وَقَعْتُ فِي الضَّرَرِ الشَّدِيدِ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تهملي
وَثَالِثُهَا: رَبَّيْتَنِي فِي الْمَاضِي فَاجْعَلْ لِي فِي الْمَاضِي شَفِيعِي إِلَيْكَ فِي أَنْ تُرَبِّيَنِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ
وَرَابِعُهَا: رَبَّيْتَنِي فِي الْمَاضِي فَإِتْمَامُ الْمَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنِ ابْتِدَائِهِ، فَتَمِّمْ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وَفِيهِ فَائِدَتَانِ
إِحْدَاهُمَا: بَيَانُ أَنَّهُمْ كَمَا أَقَرُّوا بِالْمَبْدَأِ فَكَذَلِكَ أَقَرُّوا بِالْمَعَادِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمَبْدَأِ أَصْلُ الْإِيمَانِ بِالْمَعَادِ، فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، لَا بُدَّ وَأَنْ يُقِرَّ بِالْمَعَادِ.