السؤال الثالث: تخصيص عيسى بن مَرْيَمَ بِإِيتَاءِ الْبَيِّنَاتِ، يَدُلُّ أَوْ يُوهِمُ أَنَّ إِيتَاءَ الْبَيِّنَاتِ مَا حَصَلَ فِي غَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أن ذلك غير جائز فإن قلتم: إِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ أَقْوَى؟ فَنَقُولُ: إِنَّ بَيِّنَاتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ أَقْوَى مِنْ بَيِّنَاتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَقْوَى فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ.
الْجَوَابُ: الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى قُبْحِ أَفْعَالِ الْيَهُودِ، حَيْثُ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ مَا ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ اللَّائِحَةِ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: الْبَيِّنَاتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا الْفَائِدَةُ فِي التَّكْرِيرِ؟
قُلْنَا: قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلْكَلَامِ وَتَكْذِيبًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَجْرِ بِهِ قَضَاءٌ وَلَا قَدَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
(اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...(255)
لَفْظُ (الْحَيِّ) وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
وَقَالَ: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) وَقَالَ: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)
فإن قيل: الحي معناه الدارك الْفَعَّالُ أَوِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ عَظِيمٌ، فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّ ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ الْعَظِيمِ؟
فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّمَدُّحَ لَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ حَيًّا، بَلْ بِمَجْمُوعِ كَوْنِهِ حَيًّا قَيُّومًا.