وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: مَوَانِعُ لِلْأَسْرَارِ إِلَّا مِنْ أَهْلِهَا ... وَيُخْلِفْنَ مَا ظَنَّ الْغَيُورُ الْمُشْغَفُ
أَيِ الَّذِي شَغَفَهُ بِهِنَّ، يَعْنِي أَنَّهُنَّ عَفَائِفُ يَمْنَعْنَ الْجِمَاعَ إِلَّا مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُرَادُ لَا يَصِفُ نَفْسَهُ لَهَا فَيَقُولُ: آتِيكِ الْأَرْبَعَةَ وَالْخَمْسَةَ
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السِّرِّ النِّكَاحُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُسَمَّى سِرًّا وَالنِّكَاحُ سَبَبُهُ وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ جَائِزٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) فَفِيهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى بِأَيِّ شَيْءٍ عَلَّقَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ؟
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَذِنَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ بِالتَّعْرِيضِ، ثُمَّ نَهَى عَنِ الْمُسَارَّةِ مَعَهَا دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أَنْ يُسَارِرَهَا بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعِدَهَا فِي السِّرِّ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا، وَالتَّكَفُّلِ بِمَصَالِحِهَا، حَتَّى يَصِيرَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْجَمِيلَةِ مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم.
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ(238)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَمْرٌ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى جَمِيعِ شَرَائِطِهَا، أَعْنِي طَهَارَةَ الْبَدَنِ، وَالثَّوْبِ، وَالْمَكَانِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى جَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ جَمِيعِ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ أَوْ مِنْ أَعْمَالِ اللِّسَانِ، أَوْ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَأَهَمُّ الْأُمُورِ فِي الصَّلَاةِ، رِعَايَةُ النِّيَّةِ فَإِنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14] فَمَنْ أَدَّى الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا.