(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203)
فِيهِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ قَالَ (فَمَنْ تَعَجَّلَ) وَلَمْ يَقُلْ فَمَنْ عَجَّلَ؟
الْجَوَابُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : تَعَجَّلَ وَاسْتَعْجَلَ يَجِيئَانِ مُطَاوِعَيْنِ بِمَعْنَى عَجَّلَ، يُقَالُ: تَعَجَّلَ فِي
الْأَمْرِ وَاسْتَعْجَلَ، وَمُتَعَدِّيَيْنِ يُقَالُ: تَعَجَّلَ الذَّهَابَ وَاسْتَعْجَلَهُ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فِيهِ إِشْكَالٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدِ اسْتَوْفَى كُلَّ مَا يَلْزَمُهُ فِي تَمَامِ الْحَجِّ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ إِنَّمَا يُقَالُ فِي حَقِّ الْمُقَصِّرِ وَلَا يُقَالُ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
وَالْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَذِنَ فِي التَّعَجُّلِ عَلَى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ احْتَمَلَ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِ قَوْمٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَى مُوجَبِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: الْقَصْرُ عَزِيمَةٌ، وَالْإِتْمَامُ غَيْرُ جَائِزٍ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ قَائِمًا، لَا جَرَمَ أَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الشُّبْهَةَ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِي الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ شَاءَ اسْتَعْجَلَ وَجَرَى عَلَى مُوجَبِ الرُّخْصَةِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْتَعْجِلْ وَلَمْ يَجْرِ عَلَى مُوجَبِ الرُّخْصَةِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.