الْأَوَّلُ: قَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ذَوِي الْقُرْبى كَأَنَّهُ قَالَ: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالصَّابِرِينَ: قَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ يَصِيرُ هَكَذَا: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالصَّابِرِينَ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ:(وَالصَّابِرِينَ) مِنْ صِلَةِ مَنْ قَوْلُهُ: (وَالْمُوفُونَ) مُتَقَدِّمٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَالصَّابِرِينَ) فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (مَنْ) فَحِينَئِذٍ قَدْ عَطَفْتَ عَلَى الْمَوْصُولِ قَبْلَ صِلَتِهِ شَيْئًا، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ مَعَ الصِّلَةِ بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ، وَمُحَالٌ أَنْ يُوصَفَ الِاسْمُ أَوْ يُؤَكَّدَ أَوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ وَانْقِضَائِهِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، أَمَّا إِنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: (وَالْمُوفُونَ) رَفْعًا عَلَى الْمَدْحِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ غَيْرُ جَائِزٍ، بَلْ هَذَا أَشْنَعُ لِأَنَّ الْمَدْحَ جُمْلَةٌ فَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْفَصْلُ بِالْمُفْرَدِ فَلِأَنْ لَا يَجُوزَ بِالْجُمْلَةِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى.
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ جَازَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِالْجُمْلَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّ زَيْدًا فَافْهَمْ مَا أَقُولُ رَجُلٌ عَالِمٌ، وَكَقوله تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الْكَهْفِ: 30] ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ) فَفَصَلَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّا لَا نُضِيعُ) ؟
قُلْنَا: الْمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَالتَّعَلُّقُ الَّذِي بَيْنَهُمَا أَشَدُّ مِنَ التَّعَلُّقِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بَيْنَ الْمَوْصُولِ وَالصِّلَةِ.