الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ إِكْمَالَ الشَّرَائِعِ إِتْمَامُ النِّعْمَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْقِيَامَ بِتِلْكَ الشَّرَائِعِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِتَحَمُّلِ الْمِحَنِ، فَلَا جَرَمَ أَمَرَ فِيهَا بِالصَّبْرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْعَمَ أَوَّلًا فَأَمَرَ بِالشُّكْرِ، ثُمَّ ابْتَلَى وَأَمَرَ بِالصَّبْرِ، لِيَنَالَ الرَّجُلُ دَرَجَةَ الشَّاكِرِينَ وَالصَّابِرِينَ مَعًا، فَيَكْمُلُ إِيمَانُهُ عَلَى مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْإِيمَانُ نِصْفَانِ: نِصْفُ صَبْرٍ وَنِصْفُ شُكْرٍ» .
(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ(158)
ظَاهِرُ قوله تَعَالَى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَالَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِي فِعْلِهِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، ثُمَّ يَمْتَازُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ، أَوْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ ألْبَتَّةَ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذَا السَّعْيَ رُكْنٌ، وَلَا يَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَيَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» ،
«فَإِنْ قِيلَ» : هَذَا الْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ السَّعْيِ وَهُوَ الْعَدْوُ، ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ؟