قُلْنَا: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ إِلَى الْبَيْتِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْبَيْتِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا وُقُوعَ الطَّوَافِ خَارِجَ الْبَيْتِ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَلَا يُسَمَّى طَائِفًا بِالْبَيْتِ مَنْ طَافَ فِي جَوْفِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِهِ لَا بِالطَّوَافِ فِيهِ، لِقوله تَعَالَى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الْحَجِّ: 29] وَأَيْضًا الْمُرَادُ لَوْ كَانَ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِ لِلصَّلَاةِ، لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ بِتَطْهِيرِ الْبَيْتِ للركع السجود وجه، إذا كان حاضر والبيت وَالْغَائِبُونَ عَنْهُ سَوَاءً فِي الْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [الْبَقَرَةِ: 144] وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَسْجِدِ بَلْ إِلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُتَوَجِّهَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إِلَى كُلِّ الْمَسْجِدِ، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إِلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْبَيْتِ فَهُوَ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ الْآيَةِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: لِلطَّائِفِينَ يَتَنَاوَلُ مُطْلَقَ الطَّوَافِ سَوَاءٌ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقوله تَعَالَى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) أَوْ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالسُّنَّةِ، أَوْ كَانَ مِنَ المندوبات.
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)