* كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُمُ الْعِلْمَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: (وَلَقَدْ عَلِمُوا) ثُمَّ نَفَاهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ عَلِمُوا غَيْرَ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا، فَالَّذِينَ عَلِمُوا هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا السِّحْرَ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى تَعَلُّمِهِ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) وَأَمَّا الْجُهَّالُ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ فِي تَعَلُّمِ السِّحْرِ فَهُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَهَذَا جَوَابُ الْأَخْفَشِ وَقُطْرُبٍ.
وَثَانِيهَا: لَوْ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْقَوْمِ وَاحِدًا وَلَكِنَّهُمْ عَلِمُوا شَيْئًا وَجَهِلُوا شَيْئًا آخَرَ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ خَلَاقٌ وَلَكِنَّهُمْ جَهِلُوا مِقْدَارَ مَا فَاتَهُمْ مِنْ مَنَافِعِ الْآخِرَةِ، وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَارِّهَا وَعُقُوبَاتِهَا.
وَثَالِثُهَا: لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَوْمَ وَاحِدٌ وَالْمَعْلُومَ وَاحِدٌ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعِلْمِهِمْ بَلْ أَعْرَضُوا عَنْهُ فَصَارَ ذَلِكَ الْعِلْمُ كَالْعَدَمِ كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْكُفَّارَ: (عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الإسراء: 97] إِذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الْحَوَاسِّ.
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ فِي شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لَكِنَّهُ لَا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ: صنعت ولم تصنع.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ(103)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ)
فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَأُثِيبُوا إِلَّا أَنَّهُ تُرِكَتِ الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ إِلَى هَذِهِ الاسمية لما في الجملة الاسمية مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ الْمَثُوبَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : هَلَّا قِيلَ لَمَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ الْمُرَادَ لَشَيْءٌ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُمْ.